أبو الليث السمرقندي

527

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ يعني : لا تدعوا محمدا باسمه صلّى اللّه عليه وسلّم كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ولكن وقروه وعظموه ، وقولوا : يا رسول اللّه ، ويا نبي اللّه ، ويا أبا القاسم . وفي الآية بيان توقير معلم الخير ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان معلّم الخير ، فأمر اللّه عز وجل بتوقيره وتعظيمه ، وفيه معرفة حق الأستاذ ، وفيه معرفة أهل الفضل . ثم ذكر المنافقين فقال تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ يعني : يرى اللّه الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ يعني : يخرجون من المسجد لِواذاً يلوذ بعضهم ببعض . وذلك أن المنافقين كان يشقّ عليهم المقام هناك يوم الجمعة وغيره ، فيتسللون من بين القوم ، ويلوذ الرجل بالرجل ، أو بالسارية لئلا يراه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يخرج من المسجد . يقال : لاذ يلوذ إذا عاذ وامتنع بشيء . ويقال : معنى ( لواذا ) هنا معنى الخلاف ، يعني : يخالفون خلافا ، فخوّفهم اللّه تعالى عقوبته فقال : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني : عن أمر اللّه تعالى . ويقال : عن أمر رسول اللّه عليه السلام . ويقال : عَنْ زيادة في الكلام للصلة . ومعناه : يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ يعني : الكفر ، لأن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واجب ، فمن تركه على وجه الجحود كفر . ويقال : فِتْنَةٌ يعني : بلية في الدنيا . ويقال : فساد في القلب . أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني : يصيبهم عذابا عظيما في الآخرة . ويقال : القتل بالسيف . ويقال : يجعل حلاوة الكفر في قلبه . وقوله : أَوْ على معنى الإفهام ، لا على وجه الشك والتخيير . ثم قال عز وجل : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وإماؤه وفي مملكته قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاستقامة في الإيمان ، والنفاق وغير ذلك . ويقال : قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من خير أو شر ، فيجازيكم بذلك وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر ، فيجازيهم بذلك . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالهم وأقوالهم ، وبما في أنفسهم . وروي عن الأعمش ، عن سفيان بن سلمة ، قال : شهدت ابن عباس ولي الموسم ، وقرأ سورة النور على المنبر وفسّرها ، فلو سمعتها الروم لأسلمت . وقال عمر رضي اللّه تعالى عنه : « تعلموا سورة براءة ، وعلّموا نساءكم سورة النور » ، واللّه أعلم - وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى رسله وصحبه وسلّم « 1 » - .

--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة : « أ » .